ابن ميثم البحراني

86

شرح نهج البلاغة

بسبب الظلم منزلة الواقع ليكون أبلغ في الموعظة ، وإنّما أضاف الإنسان إلى الحديدة لأنّه أراد إنسانا خاصّا هو المتولَّي لأمر تلك الحديدة فعرّفه بإضافته إليها ، وكذلك الإضافة في جبّارها ، وإنّما قال : للعبه . استسهالا وتحقيرا لما فعل لغرض أن يكبّر فعل الحارّ من سجر النار ، وكذلك جعل العلَّة الحاملة على سجر النار هو غضب الجبّار تعظيما لشأنه . وقوله : وأعجب من ذلك . إلى قوله : أم تهجر . أي وأعجب من عقيل وحاله طارق طرقنا . والطارق : الآتي ليلا ، وكنّى بالملفوفة في وعائها عن الهديّة . وقيل : كان شيئا من الحلواء كالفالوذج أو الحنبص ونحوه ، ونبّه بقوله : شنئتها . على بعضه للأمور اللذيذة الدنيويّة ونفرته عنها زهدا فيها ، ووجه تشبيهها بما عجن بريق الحيّة أوقيئها هو ما في تصوّره في قبولها من الفساد وما قصد بها مهديها في طلب الميل إليه المستلزم للظلم والجور عن سبيل اللَّه فإنّ القصد الَّذي اشتمل عليه كالسمّ المهلك ، وأمّا كون وجه كون المهدى أعجب من عقيل فلأنّ عقيلا جاء بثلاث وسايل كلّ منها يستلزم العاطفة عليه : وهى الأخوّة والفاقة وكونه ذا حقّ في بيت المال ، وهذا المهدى إنّما أدلى بهديّته . فأمّا قوله في جوابه : فقلت له . إلى قوله : أهل البيت . فإنّه أراد به حصر وجوب البرّ في العرف لأنّ التقرّب إلى اللَّه ببذل المال لعباده إمّا صلة رحم أولا ، والثاني فإمّا على وجه الصدقة أو الزكاة الواجبة ولم يذكر الهديّة لأنّه لم يكن في وهم عاقل قبول عليّ عليه السّلام لها خصوصا زمان خلافته ، وذلك أنّ مطلوب العاقل منه بالهديّة إمّا حقّ أو باطل ، والحقّ لا يحتاج فيه إلى الهديّة والباطل لا يفعله بوجه ، ولذلك لمّا قال له الطارق : إنّها هديّة . دعا عليه ونسبه إلى الجنون والهذيان ، ولمّا قسّم عليه وجوب البرّ أبطل قسمين منها بقوله : فذلك محرّم علينا أهل البيت . وأراد الصدقة والزكاة . وأمّا صلة الرحم فلم يحتجّ إلى إبطالها لأنّ الطارق لم يكن ذا رحم له ، وقول الطارق : لا هذا ولا ذاك . يجرى في مجرى إبطال الحصر بإبراز قسم رابع